المرصد الكردي ــــــــــــــــ

بقلم : د. ابراهيم الشدادي ـــــــــ


بلا شك الهندسة الجغرافية التي اجتهدت عليها فرنسا في الحقبة الاستعمارية واسمتها (سوريا) حديثة العهد مقارنة بالدول العرقية التي نشأت على اسس عرقية ابان حقبة شيوع مفهوم الدولة الوطنية في اوربا ,ومنها انبثقت مبادئ السيادة الوطنية وقدسية الحدود والرموز المشار الى مفهوم الدولة ككيان سيادي , والمفارقة التاريخية التي تفضح مدى اجرام القوى العظمى منذ فجر التاريخ تكمن في الوثائق الفرنسية في عهدي الاحتلال والانتداب , والتي تشير بوضوح ان ما تسمى سوريا حاليا , قامت على ضوء القوة الميلشياوية انذاك , كون النسيج الاجتماعي المتعدد الالوان والاطياف كان عاملا مساعدا على السيطرة الفرنسية ,برغم ان الوثائق تشير بوضوح استحالة بناء سلطة حاكمة جامعة مانعة لهذا النسيج , ولكن الاجتهاد الاستعماري المفرغ من المحتوى الاخلاقي تمكن من الوصول الى صيغة سيادية مناسبة للمطامع الفرنسية حينذاك , مما لجات سلطات الاستعمار الى انتهاج المؤسسات السلطوية المسبقة كأداة اولية في بناء السيادة المحلية والولاء الاعمى وحتى التضحية في سبيل اهداف المستعمر كما يحدث اليوم بالضبط , والمتعارف عليه كانت السيادة الكلاسيكية مختزلة بالعشيرة عربيا وكرديا عدا الاعراق الاخرى كالاشوريين والسريان والارمن , الامر الذي دفع الاحتلال على فرض هذه القوى عنوة في المناطق الكردية التي كانت تحت سيطرة الباشا المللي ولكن باسلوب المداورة كما يتضح لنا من خلال الوثائق ان الاستعمار سعى الى تهميش الكورد والعمل على تعزيز دور المعرفي للاعراق المسيحية دينيا مثل فتح المدارس لهم , والتشجيع على نشر ثقافة تلك الاعراق كنوع من بناء سلطات مستحدثة تجعل من العشيرة كورديا مجرد رعاع لهم بالمناسبة الحالة الكردية تطابق حالتهم اليوم حيث هنالك العديد من العشائر الكردية تحالفات مع العشائر العربية برغم انها كانت خارج حدودها القبلية والادارية فقط من اجل الوقوف ضد تطلعات العشائر المللية والمتحالفة معها , ! واليوم تلك البقعة الجغرافية تمارس نفس مبادئهم السيادية و الادارية وبنفس الصيغة الاخلاقية حيث الارتزاق والارتهان والخيانة وتمجيد المحتلين والغزاة والركوع لاصحاب الحظوة والعزوة بدون رادع من ضمير او الحياء , اللهم استبدلوا السلطة العشائرية بالسلطة الميلشياوية الايدولوجية , وهذه الادلجة الرعناء لمفهوم السلطة العارية من القيم والحد الادتى من الاخلاق تعتبر بمثابة القاسم المشترك بين القوى العظمى امريكا و روسيا اللتان تسعان اليها بخطة حثيثة, بينما لقوى الاقليمية الواعية بمصائر رعاياها تسعى للحفاظ على امنها القومي وجعل هذه البقعة حلبة لصراعاتها ومخزونا بشريا بهيميا يضحي بهم على اعتاب اطماعها مثل تركيا عبر بناء جيوب جغرافية تفتقر للحد الادنى من الكرامة ومشبعة بعقدة مركب النقص عبر تشويه مفهوم الاكاديمي للتعليم بالمفهوم الاخلاقي للانتماء , بينما إيران ساعية الى تعزيز أمنها المذهبي وتستشعر الخطر من البيئة التي باتت عصية على الحدس بمستقبلها ,فالقوة والنفوذ هما وسيلة النجاة الوحيدة . كون القوتين الآخريتين على علم ودراية بمالات الوضع السوري الذاهب باتجاه التجربة الكونغولية حيث حكم الميلشيات المحلية بغطاء الحماية والدعم والمساندة من حوالي سبعة دول ذات تاريخ استعماري , وما الشعب الكونغولي الا مجرد قطعان من العبيد والمرتزقة يتضورون جوعا , والوضع السوري بمشهده الحالي ليس احسن حالا من قرينتها الكونغو , ربما ما ذكرته آنفا لا يهمنا بقدر ما يهمنا ماهية الدور الطليعي المطلوب من التخب السياسية والفكرية الكردية من اجل حماية هذه الامة من الانقراض في معركة الوجود التي لا مفر منها ؟؟ ولكن المؤلم كافة النخب الكردية تتسم بالجهل والنزعة الانتهازية وعديمي الحس بالمسؤولية الاخلاقية حيال مفاهيم الانتماء , وأغلبهم من ذوي التوجه الرومانسي. التي تعلق امالا واسعة على القيم الغربية , وهي لا تعي ولا تستوعب مالات الامور بل تساهم مع القوى الاقليمية المتربصة بالكورد على دفع الكورد انفسهم صوب ما يشبه العبيد لدى الميليشيات الاخرى كما يحدث في المناطق التي تسمى المحررة بزعم المجلس الوطني الكردي ككيان سياسي كردي , ولكن ما يحدث اليوم. في مناط3 سيطرة المليشيلت الفوق القومية والوطنية المدعومة تركيا بغطاء سياسي يستظله الائتلاف السوري المعارض كنموذج سياسي فريد. عالميا وتاريخيا. كون تدعي التحرر وتنتهج الراديكالية والعنصرية بصورة لم يسبق حتى في تاريخ السلطات التي حكمت في المنطقة , وما مناطق انتشارها الا مجرد نموذج مصغر لصورة المستقبل الكردي في المنطقة , حيث الانتهاكات بشتى صورها والاستعباد والاستضعاف والإكراه على الاندماج بمقاييس تلك المليشيات الاجرامية او الرحيل , والكارثة لم تنتهي سردها حيث هنالك كيان سياسي كردي المسمى بالمجلس يبارك لهم ويعينهم على تلك السياسات الجائرة ايضا بدعوة انها الادلجة المثالية للمفاهيم في سبيل مقارعة الظالم وانشاء دولة المواطنة , وهنا ينبغي ان تقف وتستعد النخب الكردية وتستشعر الحربة المنصوبة على نحور ابناء جلدتهم في المستقبل القريب , وما تكديس الامريكي لهذا الكم الهائل من الاسلحة الا تذهب باتجاه ما نتوجس منه ونجد انفسنا مكرهين غير مخيرين على احترام تجربة الاتحاد الديمقراطي او ما يسمى بمنظومة المجتمع الديمقراطي لانها تكاد تكون الحل الامثل للوجود الكردي في سوريا.