المرصد الكردي ــــــــــــــــ

بقلم : د. محمود عباس ــــــــــــــــ

كتبت قبل فترة كتوطئة لهذه المقالة، عدة جمل في صفحتي على الفيس بوك، كرؤية تاريخية حول، حقيقة تكاد أن تكون شبه مؤكدة، أكثر من أن تكون احتمالية على وجود شعراء وكتاب وفلاسفة كرد قبل الإسلام، أي في مراحل هيمنة الحضارات، وآخرها الحضارة الساسانية ( تسمية الساسانيين يعود إلى الكاهن الزرادشتي ساسان جد أردشير الأول أبن بابكان الكردي ، مؤسس الحضارة الساسانية، وكان من أسلاف الكرد) (يذكره الطبري نقلا من كتاب (خداي نامه) أن (أردشير بابكان) مؤسس الدولة الساسانية تلقى رسالة من آخر ملوك الاشكانيين اردوان الخامس ” إذ ورد عليه رسول الأردان بكتاب منه فجمع أردشير الناس لذلك وقرأ الكتاب بحضرتهم فاذا فيه: إنك قد عدوت طورك واجتلبت حتفك أيها الكردي المربى في خيام الأكراد!” ) ولانعدام المراجع والوثائق التاريخية المرتبطة بالموضوع (أسباب عدم بلوغنا أسماء الشعراء والأدباء والفلاسفة الكرد وغير الكرد ونتاجاتهم) والتي هي نتيجة التدمير والإتلاف على المخزون الفكري لشعوب المنطقة الذي ألحقه بها الغزوات العروبية الإسلامية الأولى، وإضاعة التاريخ الماضي، إما عن تقصد أو لضحالة المعرفة وعدم الاهتمام بالتراث الحضاري، وفي الحالتين حدثت الكارثة الثقافية، لذلك استندنا على الدراسات التاريخية التي لها علاقة بالمقال، مع الاستقراء والاستنباط لمجريات أحداث تلك المراحل التاريخية. علما أن الموضوع ذات أهمية يجب أن يكون على سوية بحث يشترك فيها عدة أقلام.
حقيقة أو احتمالية وجود تلك النخبة، ستعكس رد نقدي، لإثبات النفي شبه المطلق لوجود حركة ثقافية قبل الغزوات الإسلامية في الحاضنة الحضارية الساسانية، التي لم تصلنا منها أسماء الشعراء أو فلاسفة من المجتمع الحضاري ذاك، حيث المدارس والمكتبات، ووجود الورق والقلم والحبر، مقابل وجود شريحة واسعة من الشعراء بين القبائل العربية، قبل الإسلام، القادمين من مجتمع خال من الحضارة، والمنعدم فيها الكتابة والقراءة بشكل شبه كلي، وظهور دواوين ومعلقات، في الواقع الذي لم يكن فيه وجود للورق بأي شكل، وتم الاحتفاظ بها حتى عصرنا هذا، رغم البيئة الصحراوية البدوية، وقبل أن تصبح لهجة قريش، لغة القرآن، وتتشكل على أسسها اللغة العربية الحالية؟!
وغياب مثل هذه الشريحة من الشعراء عند الكرد والفرس أو الشعوب الأخرى في المنطقة، ومثلها عند الأمازيغ والقبط، أي المجتمعات التي كانت تعيش الحضارة، بعكس القبائل العربية؟! لا تتقبله المنطق والمقارنات الفكرية، فكيف لشعوب بنت الحضارة ولا توجد فيها فلاسفة وشعراء وأدباء! فهل هذه حقيقة أم أن عوامل ما تقف خلف هذا التناقض؟
فكرة المقارنة، بين القبائل العربية وشعرائهم، قبل الإسلام، وانعدامهم عند الكرد، ليست وليدة اللحظة، ولم أقف عندها بل ألحقت بها عامل من عوامل الغياب، والتي هي موضع نقاشات عقيمة، علماً أن المؤرخين والمثقفين المسلمين خاصة، لا يقفون على وجود أو غياب هذه الشريحة من صفحات التاريخ، بل على ما تتلى الفكرة عادة، أو سبب الغياب، وبالضبط قصة تدمير مكتبتي الإسكندرية والمدائن، إلى جانب مدارس ومكاتب مدن أخرى، تعتبر واحدة من أهم المؤشرات على دحض أو تثبيت الحقيقة المغيبة هذه. أي بعدم حمل وزر تدميرها أو جنايتها على القبائل العربية الإسلامية الأولى، والتي تقف عليها وجود أو غياب الأدباء والمفكرين والفلاسفة بين تلك الشعوب قبل الإسلام، ونتاجاتهم، وبلغاتهم الأصلية، والتي على الأغلب وجود مثل هذه المكاتب والمدارس كانت مترسة فوق رفوفها مؤلفات لكتاب وشعراء وفلاسفة أبناء المنطقة، إلى جانب المراسلات التي كانت تجري بين المدن وملوك تلك الحضارة.
وحسب دراستنا المتواضعة للتاريخ تتبين بأن الغزوات الإسلامية الأولى قضت على التاريخين الثقافي والعمراني لتلك الفترة، والتي أدت إلى ضياع المكاتب مع كتبها المتواجدة في مدن تلك الحضارات، ونخصها هنا، إلى جانب المكتبتين الدارجة حولهما الجدال البيزنطي، مكاتب مدن حران وجنديسابور وكركوك وأربيل ( يقال إنها أول مدينة في التاريخ ولم تنقطع عن وجودها كمدينة ومدنية) ونصيبين وآمد، والجدال في هذه القضية يشبه الصراع اللامنتهي بين المذاهب الإسلامية، الشيعة والسنة، فالدمار الذي لحقت بتلك المدن، إلى جانب انتشار فكرة إلغاء كل ما سبق الإسلام، خلفت الشكوك حتى عند رواد هذه الشعوب حول تاريخهم الما قبل الدين الإلهي.
لا نضع وجود مثل هذه الشريحة الأدبية من الشعراء والفلاسفة، ومنذ ما قبل التاريخ الإسلامي أو المسيحي، في خانة الاحتمالات، بل أن جميع المقارنات، المتعلقة بنهوض الحضارات، تؤكد بأنه لا حضارة بدون أدب وفلسفة، أي بدون أدباء ومفكرين وفلاسفة وعلماء، وعليه فأن حركة أدبية بل ثقافية متطورة، لا تقل عن العمرانية كانت تسود المنطقة. فالمنطق يرفض وجود أسوار وقصور وجسور وبنية تحتية في تلك المدن، وآثارها الموجودة حتى الأن تشهد على ماض عريق، رغم مرور قرون وتدمير متواصل وعلى مدى المراحل الأولى من الغزو، وبأن تكون قد بنيت تلك المدن العريقة بدون علم وفكر متطور، ويذكر بعض المؤرخين المسلمين كـ(المسعودي) في كتابه (مروج الذهب) كيف أن (بهرام جور) كان يهتم بالشعر والأدباء إلى درجة أنه كرم بعض الشعراء العرب، حتى أنه ينسب إليه بعض من الشعر العربي، ودون أن يذكر هو أو غيره أية قصيدة من قصائده، أو أي أثر أدبي، بلغته الأصلية، لغة أفستا، أو لغة الحضارة الساسانية، أو بلغة أخرى غير العربية، ولم تبقى كتابات واضحة بالحروف البهلوية، إلا ما شذا عن المنطقة ككتاب (كليلة ودمنة) والمترجمة فيما بعد إلى العربية، لتغيب بعدها النسخة الأصلية بلغتها وحروفها. ولا شك أن هذه لم تكن طفرة، أو شخصية استثنائية لم يكن لها مثيل، بل لا يشك بأنه من ضمن شريحة واسعة من الأدباء والعلماء التي بنيت عليهم ثقافة حضارة الإمبراطورية، وكانت امتداداً لحضارة السومريين والكلدانيين والميديين وغيرها من الحضارات التي لم تنقطع عن شعوب المنطقة، والتي نبعت منها الأديان التوحيدية الأولى في تاريخ البشرية، كالأزداهية، والزرادشتية، والمانوية، والصابئة، وقبلهم بقرون سيادة مفاهيم أول ملحمة في تاريخ البشرية(كلكاميش) إلى جانب الآداب الأخرى، والغرابة هنا أن صفحات التاريخ، وخاصة الإسلامي، لا تذكر أسماء شعراء وأدباء وفلاسفة من المرحلة الزمنية المتأخرة، والتي ظهرت قبلها كانت على خلفية المكتشف من الأثار التي لم تطالها التدمير، وبعضها اكتشفت عند التنقيب في أثار الحضارات القديمة هناك…

يتبع…

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

9/12/2016م